أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
152
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فيستولى النور على الظلمة وتولي النفس منهزمة ، وإذا أراد اللّه خذلان عبده أمد نفسه بالأغيار ، وقطع عن قلبه شوارق الأنوار ، فيأتي المنصور بالأمر على وجهه ، والمخذول بالشيء على عكسه . قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : وأمداد الأنوار ثلاثة : أولها : يقين لا يخالطه شك ولا ريب . الثاني : علم تصحبه بصيرة وبيان . الثالث : إلهام يجري بعد العيان . وأمداد الظلم ثلاثة : أولها : ضعف اليقين . الثاني : غلبة الجهل على النفس . الثالث : الشفقة على النفس ، وذلك كله أصله الرضا عن النفس وعدمه ، ومظهره الثلاث المرتبة عليه وهي المعاصي والشهوات والغفلات وأضدادها المتقدمة في الباب الثالث فافهم انتهى . ولما كان النور هو جند القلب ، لأنه يكشف عن حقائق الأشياء ، فيتميز الحق من الباطل ، فيحق الحق ويبطل الباطل ، فينتصر القلب بإقباله على الحق على بينة واضحة وتنهزم النفس بانهزام جند ظلماتها ، إذ لا بقاء للظلمة مع وضوح النور ، كما أشار إلى ذلك بقوله : 57 - النور له الكشف ، والبصيرة لها الحكم ، والقلب له الإقبال والإدبار . قلت : النور : من حيث هو من شأنه أن يكشف الأمور ويوضحها حتى يظهر حسنها من قبيحها ، ومن شأن البصيرة المفتوحة أن تحكم على الحسن بحسنه وعلى القبيح بقبحه ، والقلب : يقبل على ما يثبت حسنه ، ويدبر عن ما يثبت قبحه ، أو تقول : يقبل على ما فيه نفعه ويدبر عما فيه ضرره ، ومثال ذلك : رجل دخل بيتا مظلما فيه عقارب وحيات ، وفيه سبائك ذهب وفضة ، فلا يدري ما يأخذ ولا ما يذر ، ولا ما فيه نفع ولا ضرر ، فإذا أدخل فيه مصباحا رأى ما ينفعه وما يضره ، وما يأمنه وما يحذره ، كذلك قلب المؤمن العاصي لا يفرّق بين مرارة المعصية وحلاوة الطاعة ، فإذا استضاء بنور التقوى عرف ما يضره وما ينفعه ، وفرق بين الحق والباطل .